فخر الدين الرازي
197
تفسير الرازي
ظانين ولم يجعلهم حازمين ؟ . وجوابه : أن السبب فيه أمور الأول : وهو قول قتادة : أن المراد من لقاء الله الموت ، قال عليه الصلاة والسلام : " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " وهؤلاء المؤمنون لما وطنوا أنفسهم على القتل ، وغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت ، لا جرم قيل في صفتهم : إنهم يظنون أنهم ملاقوا الله الثاني : * ( الذين يظنون أنهم ملاقوا الله ) * أي ملاقوا ثواب الله بسبب هذه الطاعة ، وذلك لأن أحداً لا يعلم عاقبة أمره ، فلا بد أن يكون ظاناً راجياً وإن بلغ في الطاعة أبلغ الأمر ، إلا من أخبر الله بعاقبة أمره ، وهذا قول أبي مسلم وهو حسن . الوجه الثالث : أن يكون المعنى : قال الذين يظنون أنهم ملاقوا طاعة الله ، وذلك لأن الإنسان لا يمكنه أن يكون قاطعاً بأن هذا العمل الذي عمله طاعة ، لأنه ربما أتى فيه بشيء من الرياء والسمعة ، ولا يكون بنية خالصة فحينئذٍ لا يكون الفعل طاعة ، إنما الممكن فيه أن يظن أنه أتى به على نعت الطاعة والإخلاص . الوجه الرابع : أنا ذكرنا في تفسير قوله تعالى : * ( أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم ) * أن المراد بالسكينة على قول بعض المفسرين أنه كان في التابوت كتب إلهية نازلة على الأنبياء المتقدمين ، دالة على حصول النصر والظفر لطالوت وجنوده ، ولكنه ما كان في تلك الكتب أن النصر والظفر يحصل في المرة الأولى أو بعدها ، فقوله : * ( الذين يظنون أنهم ملاقوا الله ) * يعني الذين يظنون أنهم ملاقوا وعد الله بالظفر ، وإنما جعله ظناً لا يقيناً لأن حصوله في الجملة وإن كان قطعاً إلا أن حصوله في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل حسن الظن . الوجه الخامس : قال كثير من المفسرين : المراد بقوله : * ( يظنون أنهم ملاقوا الله ) * أنهم يعلمون ويوقنون ، إلا أنه أطلق لفظ الظن على اليقين على سبيل المجاز لما بين الظن واليقين من المشابهة في تأكد الاعتقاد . أما قوله : * ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : المراد منه تقوية قلوب الذين قالوا : * ( لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ) * والمعنى أنه لا عبرة بكثرة العدد إنما العبرة بالتأييد الإلهي ، والنصر السماوي ، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة ، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة . المسألة الثانية : الفئة : الجماعة ، لأن بعضهم قد فاء إلى بعض فصاروا جماعة ، وقال الزجاج :